أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

298

الكامل في اللغة والأدب

وكان سبب ذلك أن عبيدة بن هلال اليشكريّ اتّهم بامرأة رجل حدّاد رأوه مرارا يدخل منزله بغير إذن ، فأتوا قطريا فذكروا ذلك له ، فقال لهم : إن عبيدة من الدين بحيث علمتم ، ومن الجهاد بحيث رأيتم ، فقالوا : إنا لا نقارّه على الفاحشة ، فقال : انصرفوا ، ثم بعث إلى عبيدة فأخبره ، وقال : إنا لا نقارّ على الفاحشة ، فقال : بهتوني يا أمير المؤمنين فما ترى ، قال : إني جامع بينك وبينهم فلا تخضع خضوع المذنب ، ولا تتطاول تطاول البريء . فجمع بينهم فتكلموا ، فقام عبيدة ، فقال : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرّا لكم بل هو خير لكم الآيات « 1 » فبكوا وقاموا إليه فاعتنقوه ، وقالوا : استغفر لنا ، ففعل . انقسام الخوارج وانضمام بعضهم إلى عبد ربه فقال لهم عبد ربّه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة : واللّه لقد خدعكم فبايع عبد ربه منهم ناس كثير لم يظهروا ولم يجدّوا على عبيدة في إقامة الحدّ ثبتا . وكان قطري قد استعمل رجلا من الدهاقين ، فظهرت له أموال كثيرة فأتوا قطريا ، فقالوا : إن عمر بن الخطاب لم يكن يقارّ عمّاله على مثل هذا ، فقال قطري : إني استعملته وله ضياع وتجارات . فأوغر ذلك صدورهم وبلغ ذلك المهلّب ، فقال : إن اختلافهم أشد عليهم مني . وقالوا لقطريّ : ألا تخرج بنا إلى عدونا ، فقال : لا . ثم خرج . فقالوا : قد كذب وارتد فاتبعوه يوما ، فأحسّ بالشر ، فدخل داره جماعة من أصحابه ، فصاحوا به : يا دابّة ! أخرج إلينا فخرج إليهم ، فقال : رجعتم بعدي كفّارا ؟ فقالوا : أو لست دابة ؟ قال اللّه عز وجل : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها « 2 » . ولكنك قد كفرت بقولك إنا قد رجعنا كفّارا فتب إلى اللّه عز وجل . فشاور عبيدة ، فقال : إن تبت لم يقبلوا منك ولكن قل إنما استفهمت . فقلت : أرجعتم بعدي

--> ( 1 ) سورة النور : الآية 24 . ( 2 ) سورة هود : الآية 6 .